ابن رشد
60
تهافت التهافت
فقول أبو حامد : « إن تقدم الباري سبحانه على العالم ليس تقدما زمانيا » ، صحيح . لكن ليس يفهم تأخر العالم عنه ، إذا لم يكن تقدمه زمانيا إلا تأخر المعلول عن العلة ، لأن التأخر يقابل التقدم . والمتقابلان هما في جنس واحد ، ضرورة على ما سبق في العلوم . فإذا كان التقدم ليس زمانيا ، فالتأخر ليس زمانيا . ويلحق ذلك الشك المتقدم وهو : كيف يتأخر المعلول عن العلة التي استوفت شروط الفعل . وأما الفلاسفة فلما وضعوا الموجود المتحرك ، ليس لكليته مبدأ ، لم يلزمهم هذا الشك . وأمكنهم أن يعطوا جهة صدور الموجودات الحادثة ، عن موجود قديم . ومن حججهم في أن الموجود المتحرك ليس له مبدأ ، ولا حادث لكليته : إنه متى وضع حادثا وضع موجودا قبل أن يوجد . فإن الحدوث حركة ، والحركة ضرورة في متحرك ، سواء وضعت الحركة في زمان ، أو في الآن . وأيضا فإن كل حادث فهو ممكن الحدوث قبل أن يحدث . وإن كان المتكلمون ينازعون في هذا الأصل ، فسيأتي الكلام معهم فيه . والإمكان لا حق ضروري من لواحق الموجود المتحرك . فيلزم ضرورة ، إن وضع حادثا أن يكون موجودا قبل أن يوجد . وهذا كله كلام جدلي في هذا الموضع ، ولكنه أقنع من كلام القوم . فقول أبي حامد : ولو كان اللّه تعالى ولا عيسى مثلا ، ثم كان اللّه وعيسى ، لم يتضمن اللفظ : إلا وجود ذات وعدم ذات ، ثم وجود ذاتين . وليس من ضرورة ذلك تقدير شيء ثالث وهو الزمان . صحيح . إلا أنه يجب أن يكون تأخره عنه ، ليس تأخرا زمنيا بالذات ، بل إن كان فبالعرض إذ كان المتأخر ، فتقدمه الزمان . أعني من ضرورة وجوده تقدم الزمان وكونه محدثا . والعالم لا يعرض له مثل هذا ضرورة ، إلا إن كان جزءا من متحرك يفضل الزمان عليه من طرفيه ، كما عرض لموسى وسائر الأشخاص الكائنة الفاسدة . وهذا كله ليس يبين هاهنا ببرهان ، وإنما الذي يتبين هاهنا ، أن المعاندة غير صحيحة . وما حكاه بعد من حجة الفلاسفة فليس بصحيح .